الصفحة الرئيسية



المقدمة
# # تحت قناطر الروح، تتدفّق مياه كلماته، مسكونة بالخصوبة ومنذورة لغضار الرؤى وشواطىء الرحيل·· ويظلّ جواد رؤيته منتظراًً على خيام قلقه الروحي جاهزاً للَّحظات المتشظِّية في حرائقه المباغتة·· لاقتحام صحراء الحياة·· ومكابدة ضراوة الأيام·
أيُّ نور أضاء في فؤاد (محمّد حدّاد) حين رأى الظلمة تكتنف تلك السّماوات التي أحبها في طفولته·· طيّر في الفصول وعلى مدار الأعوام طائرات حزنه الورقيّة·· وسهر عاشقاً مع أقماره·· وعالياً عالياً·· كانت ترفُّ طيور الرّوح المسكونة بالانكسار·· وكان يحلم أن تصل كلماته الحزينة إلى بارىء النّور·· عسى أن تؤوب ذات زمانٍ ما ـ ربما لن تعيه الذكريات وربما لا تبصره العين ـ طيوره وطائراته الورقية·· حاملة الفرح للنّاس ـ كل النّاس·
لكلمات (محمّد حدّاد) عبق شواطىء الفرات في الربيع، وحزن المتأملين، وغربة الوحيدين·· وطهارة الأطفال·· وهو مخلوق من شفافية ورقة وتواضع ـ حافياً مشى·· وركض في الفلوات وحيداً·· كغزال طريد·· طاردته ـ في الأزمنة ـ سكاكين الظمأ القديم·· يتساءل (محمّد) (هل أتعبك السفر الطويل؟!) كذلك خاطب الفرات·· في لحظات النزيف·
رؤيته·· تتشكّل قاب قوسين أو أدنى من الغربة، وسراب الأحلام الضائعة، ويظلّ باحثاً عن طيور الحريّة·
ها هو يناجي رفيق فضاءاته المفتوحة على كل الاحتمالات·
مَعَاً عَلىْ الطَّرِيْق،
وَفِيْ وَحْشَةِ اللَّيْلِ نَمْضِيْ
عَلىْ كَتِفَيْنَا هُمُوْمٌ ثَقِيْلَةٌ
وَفِيْ الْقَلْبِ أسْرَابُ أحْلامِنَا الضَّائِعَةْ·
من هذه اللوعة·· يتطلّع الشّاعر (محمّد حدّاد) إلى تجاوز الألم والاغتراب في الزمان والمكان والنّاس··
وتنداح رؤيته الشعرية بين الذات والعالم، خالقاً أفقه الشّعري الخاص·· من فرادة أحلامه وهموم صناع الحياة·· وعلى غيوم المستقبل علّق آماله كشاعر ملتزم بالأرض والخير والإنسان·
لقصيدة (محمّد حدّاد) بناؤها الخاص، حيث يضع بؤرة الرؤية في المركز ويستدعي العناصر الجمالية الأخرى من صور وكلمات ذات انزياحات دلالية شتى، لها ظاهر وباطن·· وتتصاعد مفردات القصيدة في سيرورة فنية تجمع بين البساطة والعمق·· والشمول·· ورغم أنه يتخلى ـ عن وعي تام ـ عن الوزن ـ الذي أحسب أنه عنصر جمالي مركّز في بناء القصيدة ـ فإن محمّد حدّاد·· يعوّض غيابه بعناصر جمالية أخرى وفي مقدمتها (الصورة الشعرية) و(الموسيقى الداخلية للكلمات) و(الذروة الشعرية للكلمات ذات الجرس الخاص) و(التناغم) الذي يشكل توازناً وانسجاماً (هارمونياً) في البناء الخارجي والداخلي للنص·· ويتكىء الشاعر على الأسطورة والتراث الإنساني تارة لتحميل قصائده دلالات موحية شتى·· (ذاتية) و(إنسانية) و(وطنية)··
رَآكِ (بْلُوْتُوْ) أخِيْرَاً
ذَاتَ مَسَاءْ
وَحِيْدَةً، تَصْطَادِيْنَ الْفَرَحَ السَّاكِنَ فِيْ عَيْنَيْكَ
وَتَنْثُرِيْنَهُ فِيْ الْهَوَاءْ؟··
سَبَقَنِيْ (بْلُوْتُوْ) إليكِ·· فالْبَرْدُ شَديْدٌ فِيْ (هَادِيْسَ) الْخَوَاءْ·· و(بْلُوْتُوْ) يخافُ الْبَرْدَ·· وَيَدَاكِ دَافِئَتَاِن
كعَيْنَيْكِ، لِذَا سَبَقَنِيْ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الشِّتاءْ· وهو في كلّ الأحوال سواء كان عاشقاً أو متأمّلاً·· حزيناً أو فرحاً· لا يبارح مدينته دير الزّور وشواطىء الفرات التي أحبّها ـ وحبّ الفرات ـ قدر كل أبنائه المتفتّحين على شواطئه الشّامخين كأشجاره الباسقة··
المتدفّقين كمياهه الخيرة المعطاء·· في هذا الديوان، يجرّب محمّد حدّاد·· في اللغة، فيستخدم طاقاتها بمستويات عدّة، وتارة يجرّب في (النحو التوليدي) ليعطي بعض العبارات والجمل بناءها النحوي الخاص، تارة يقدم المدلول على الدال·· وتارة يلغي ويحذف بعض الكلمات، ليترك للقارىء حرية إكمالها وتصور ما يمكن أن يكون مكانها من كلمات في محاولة منه لإشراك القارىء في كتابة النص·· وتكوين رؤيته الخاصة على الطريقة (الجشتالتية)··
ويجرّب في الموسيقى، فهو طوراً يموسق النص إذا رأى ذلك ضرورياً وكثيراً ما يفعل ذلك، لكنه تارة أخرى·· يشوقه أن يمتحن قدراته الأدائية كشاعر متأمل فيطامن من الجرس ويتلاشى الإيقاع الخارجي في مسعى واع منه للبعد عن (التطريب السطحي) لصالح الرنين الداخلي الهادىء الهامس العميق للكلمات··
ويجرّب في بناء الصور الشعرية·· فهو تارة يأتي بصور بسيطة وطوراً يأتي بصور مركبة، ويرسم خلفيّات لها من كلمات تحمل ذكريات قديمة·· ويلوّن تلك الكلمات بشتى الظلال النفسية··
إن طاقات محمّد حدّاد التجريبيّة غير محدودة·· وهذا ما يجعلني أثق بمستقبله الشّعري·· بعد أن أثبت ـ في أكثر من محفل ومسابقة شعرية، على مستوى محافظته والقطر السوري جدارته كشاعر·· يعد بعطاء جمّ ومتميّز·· وأصيل·· ومدهش··

حسّان عطوان
دمشق ـ 02/8/1996


mail@hddad.4t.com

[ الرئيسية | مرحى لهم | جسد ومرايا | فراتيات | كتابات نقدية | مشاركات الاصدقاء | جديد فرات الشعر | متفرقات ]

جميع حقوق طبع ونشر فرات الشعر محفوظة لـ محمد حداد - 2001 - 1421




مرحى لهم مرحى لها