الصفحة الرئيسية



قصة للأطفال..
النورس الحزين

هذا الصباح نهض أحمد متأخراً، كان صوت أمه الحنون يدعوه لأن يستفيق من نومه· فقد طلعت الشمس ولابد من النهوض باكراً·
تململ أحمد في سريره، ومط ذراعيه بتكاسل واضح·
صوت أمه لا يزال يرن في أذنيه:
ـ هيا يا بني لقد تأخر الوقت، استعذ بالله من الشيطان الرجيم·
ـ حسناً يا أماه سأنهض·
تثاءب أحمد ووضع يده على فمه محاولاً أن يبعث في نفسه شيئاً من النشاط ـ هيا، استعذ بالله من الشيطان الرجيم·
سحبته أمه من يده برفق وأشارت في وجهه مؤنبة وبصوتها الدافئ الحنون همست بأذنه:
ـ لماذا لم تضع المنبه عند رأسك، ها·· ألم أوصك بذلك؟!
ضرب أحمد بيده الصغيرة جبينه وقال:
ـ آه يا أمي لقد نسيت، أعدك بأنني سأفعل ذلك في المرات القادمة·
مسح أحمد وجهه بيمينه وحمد الله، ثم ردد دعاء الصباح· اتجه نحو الحمّام وعلى كتفه فوطته البيضاء· وبعد أن توضأ عاد إلى غرفته فصلى ركعتين قضى بهما صلاة الفجر ثم دعا الله أن يحفظ والديه ويرحمهما كما ربياه صغيرا·
قبّل أحمد يد أمه وجلس قبالتها على مائدة الإفطار ـ بسم الله الرحمن الرحيم··
بسمل أحمد بصوت مرتفع، كان الإفطار شهياً وطازجاً فبدأ يأكل بسرعة، يأخذ لقمة من هنا ولقمة من هناك وأحياناً يستخدم يده اليسرى في تناول نوع آخر ليضعه في فمه، ضحكت أمه وقالت:
ـ أراك جائعاً هذا الصباح!
ـ نعم يا أمي، أشعر وكأن معدتي فارغة، ثم إن طعام الإفطار ضروري ومفيد للجسم يا أماه هذا ما قرأناه في كتاب العلوم·
ـ على رسلك يا بني، ما هكذا يكون الأكل·· للطعام آداب يا أحمد، هل نسيتها؟!
حاول أحمد أن يبلع ريقه ولقمة كبيرة في فمه:
ـ لا، لا يا أمي أنا أعلم ان·····
قاطعته أمه، مشيرة بإصبعها:
ـ لا تتكلم واللقمة في فمك، ابلعها أولاً ثم تحدث، وكل بيمينك وكل مما يليك·· ألم تسمع بحديث رسول الله ?!
مضغ أحمد اللقمة جيداً وبلعها بهدوء:
ـ صلى الله عليه وسلم ? أجل فقد تعلمنا الكثير في المدرسة، حفظنا أحاديث كثيرة للرسول صلى الله عليه وسلم ? فلنا فيه أسوة حسنة، لكنني مستعجل يا أمي والوقت من ذهب· ونظر في ساعته:
ـ يبدو أن الوقت تأخر سأذهب إلى المدرسة يا أمي·
ـ حسناً، انهض واغسل يديك جيداً بالماء والصابون يا احمد·· نهض احمد وغسل يديه ونظف أسنانه بالفرشاة والمعجون وجفف الماء بالفوطة الخاصة به ثم ارتدى ثوبه الأبيض النظيف واتجه نحو أمه حاملاً حقيبته المدرسية:
ـ سأذهب يا أمي، هل من شيء توصينني إياه؟
دُهشت أمه حين لم تر الشماغ على رأسه:
ـ أين شماغك يا ولدي! لماذا لم تضعه على رأسك؟!
ـ إنه يضايقني يا أمي لم اعتد عليه بعد·
ـ لا يا بني يجب أن تتعود عليه فهذا لباس آبائك وأجدادك، وعلينا المحافظة على تراثنا وتقاليدنا·
ـ كما تشائين يا أمي·
وضع أحمد الشماغ الجديد التي أحضرها له أبوه منذ أيام واتجه نحو الباب·
تبسمت الأم وقالت:
ـ بارك الله فيك يا ولدي،مع السلامة وانتبه لنفسك والزم طاعة معلميك·
ـ حسناً يا أمي·· وخطا خطوة صغيرة نحو الباب، لكنه توقف فجأة كمن تذكر شيئاً واستدار نحو أمه:
ـ أمي أرجوك أن تذكّري أبي أننا سنذهب اليوم في رحلة الى البحر ونعود بعد المغرب ان شاء الله، لقد استأذنت أبي البارحة ووافق على ذلك ألا تذكرين·
ـ آه، نعم·· نعم، قالت الأم ومسحت بيدها على رأسه:
ـ إياك والابتعاد عن رفاقك في الرحلة، ولا تؤذ أحداً يا أحمد·
ـ كما تريدين يا أمي·· يا الله، السلام عليكم ورحمة الله، واتجه نحو باب البيت رافعاً يمينه، والتفت إلى أمه وعلى شفتيه ابتسامة جميلة، قبل أن يغلق الباب خلفه بهدوء·
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، رافقتك السلامة يا بُني·
أغمضت أم أحمد عينيها وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة حزينة·
كان أحمد طفلها الوحيد الذي ولدته منذ اثنتي عشرة سنة بعملية قيصرية نصحها الأطباء اثر تلك العملية بعدم الإنجاب ثانية لضعف في جسمها، وعلة في قلبها، وكلما تذكرت ذلك ارتسم الحزن على وجهها وغالبتها دمعة دافئة تنزل على خدها ببطء شديد لكنها ما تلبث أن تمسحها بيدها وتحمد الله فقد قدر الله وما شاء فعل، وله الحكم فيما يريد·
كل ما في الأمر أنها تريد أخاً أو أختاً لأحمد فالوحدة صعبة عليه وأسئلته في طفولته تحزنها كثيراً كلما تتذكرها··
ـ لماذا ليس لي أخت يا أماه؟!
ـ أريد أخاً صغيراً لكي يلعب معي·
ـ أريد أختاً حلوة مثلك يا أمي·
ـ أريد أخاً طويلاً مثل أبي يرتدي الغترة والعقال·· فتضحك أم أحمد وتمسح دمعة جديدة تسيل على خدها·
ـ الحمد لله·· قالت أم أحمد ذلك، وبدأت بترتيب وتنظيف بيتها الصغير
****
في الطريق إلى المدرسة مشى أحمد في حذر شديد، وقد لزم جهة اليمين خوفاً من السيارات التي بدأت تزداد كل يوم، وهي تسير بسرعة جنونية، حتى انه في بعض الأحيان كان يشاهد أولاداً صغاراً يقودون سيارات غير عابئين بإشارات المرور أو بتقاطعات الشوارع مما يؤدي إلى ارتباك في حركة السير، أو يتسببون في حادث اليم يذهب ضحيته عدد من البشر فتكون خسارة كبيرة للوطن قبل كل شيء هكذا قال لهم مدرس اللغة العربية ذات يوم:
ـ فطفل يدهس خسارة لماذا؟ لأن هذا الطفل قد يكون عالماً كبيراً، أو أديباً عظيماً، أو رياضياً مشهوراً أو معلماً فاضلاً، أو·· أو·· وبذلك يخسر الوطن هذا أو ذاك·
هز أحمد رأسه أسفاً حين شاهد ولداً مراهقاً يقود سيارة بسرعة جنونية، يتماوج ذات اليمين وذات الشمال، ودمدم: ـ ألا من رادع لأمثال هؤلاء، وقطب حاجبيه، نعم النظام·· النظام هو الرادع الوحيد، فالنظام عنوان التقدم، وأساس الحضارة المتين، لكن شرطي المرور يجب أن يكون حازماً·
وقبل أن يقطع أحمد الشارع تأكد من خلوه من السيارات فعبر بسرعة متجهاً نحو مدرسته التي أصبحت قريبة بعض الشيء· ـ يا الله، كم أحب مدرستي، حدّث نفسه، وعيناه متجهتان إلى بنائها الكبير·
ـ إنها مدرستي، بيني الثاني، فيها أصدقائي الذين أحبهم والعب معهم أثناء الفسح، وأصلي الظهر معهم جماعة في فنائها الرحب الجميل· مدرستي التي احترم معلميها وأسمع كلامهم وأنفذ نصائحهم، مدرستي التي قال فيها مدرس اللغة العربية قصيدة أعجبتني فحفظتها عن ظهر قلب وقدمتها في الإذاعة المدرسية ونالت استحسان الجميع، وبدأ يدندن بها فرحاً:
صَبَاحُ الْخَيْرِِ مَدْرَسَـتِي صَبَاحَـاً كُلُّّــهُ سُـــكَّرْ! فَـفِيْـكِِ الْعِـلْـمُ أَنْهَلــــُـهُ وَفِيْكِِ الْوَقْتُ لا يُهْـدَرْ وَفِيْكِِ (الصَّحْبُ) كُلُّهُـمُ رِفَاقُ الدَّرْبِِ والدَّفْتَرْ صِِحَابِـيْ فِيْهُـمُ أَحْيَــا بِرُؤْيَتِـهِِمْ أَنَـا أَكْبَــرْ صِِحَابِـي كُلُّهُـمْ خَيْـــرُ وفََصْلِـيْ فِيْهُـمُ نَـــوَّرْ كَبُسـْـتَانٍ مِـنَ الْـوَرْدِ بِكُـلِّ بَـرَاءَةٍ أَزْهَـــرْ عَلَى حُـبٍ تَعَـاهَدْنَــا بِخَيْــرٍ كُلُّنَــا أَضْمَــرْ وَأَقْسَمْنَـا عَلَى الْعَهْـدِ نََصُـونُ الْـوِدَّ مَا قَـدَّرْ وَنَحْفَظُ دَرْسَـنَا الآتِيْ وَنَكْتُبُ وَاجِبَ الدَّفْتَرْ مُُعَلِّمُنَـا لَـــهُ نَسْــمَعْ مِِنْ الإِرْشَــادِِ لا نَضْجَرْ فََدِِيْـنُ اللَّــهِ أَوْصَانَـا وَعَلَّمَنَــا بِمَـا سَـــطَّـرْ وَهَدْيُ رَسُولِِنَا أَحْرَى وَسُــنَّتـهُ لَنَــا أَجْــدَرْ بِهَــا أَخْلاقُنَـا تَكْبَـــرْ وَأَنْفُسُـنَـا بِهَـا تَعْمَــرْ فَفِيْهَـا عِلْمُنَـا الأَجْمَلْ وَفِيْهَا هَدْيُنَـا الأَنْـوَرْ سَـلامَاً صُحْبَـةَ الْفَصْلِ وَلا خَيْــرَاً بِمَنْ صَعَّـرْ عَـنِ الإسْــلاَمِ خَدَّيْــهِ وَغَيَّــرَ مِنْــهُ مَا غَيَّــرْ فَـبَشِّــــرْهُ بِعَـاقِبَـــــةٍ وَسُـوْءِ مَصِيْـرِهِ الأَغْبَرْ
دخل أحمد المدرسة وحيا رفاقه بتحية الإسلام، كان صباحاً جميلاً يختلف عن كل الصباحات، هكذا شعر أحمد فالنسيم العليل يبعث في النفس النشاط، والغيوم البيضاء تطرز وجه السماء، المتناثرة كقطع الثلج هنا وهناك تبعث في نفسه البهجة والحبور·
قرع الجرس، وانتظم احمد في الطابور مع زملائه حيث بدأت الإذاعة المدرسية، كما جرت العادة كل صباح بتلاوة من القرآن الكريم ثم الحديث الشريف، وحكمة اليوم ومعلومات مفيدة أخرى قدمها بعض طلبة الفصل الخامس لهذا اليوم·· ثم أعلن مسؤول النشاط ان إدارة المدرسة كافأت الفصل السادس بالقيام برحلة اطلاعية إلى شاطئ البحر هذا اليوم بعد صلاة الظهر، نظراً لانضباطهم وتأدية واجباتهم المدرسية ولأخلاقهم الحميدة داخل وخارج المدرسة·
ابتسم أحمد ورفاقه فهم ينتظرون هذه الرحلة بفارغ الصبر سيما وأنها جاءت مكافأة لهم على ما قدموه خلال الفترة الماضية·
***
أدى الجميع صلاة الظهر جماعة، طلاباً ومدرسين وصعد أحمد ورفاقه السيارة متجهين نحو البحر·· كان الطريق طويلاً وجميلاً، أشجار النخيل الباسقة تزين وسط وجانبي الطريق·
? النخلة يا أولادي أصبحت رمزاً لنا نحن أبناء المنطقة بل رمزاً للبيئة العربية بشكل عام·
قال ذلك المشرف على الرحلة وهو يشير إلى أشجار النخيل المنتظمة في الطريق··
? وفوائد الأشجار لا يمكن أن تخفى عليكم يا أبنائي لهذا الدولة تهتم بزراعة الأشجار وتشجع المواطنين على الزراعة لذلك يجب علينا أن نحافظ على الأشجار ولا نقطعها أبداً·
أحمد الجالس في المقعد الأمامي عيناه على السائق تراقبان حركة يديه ورجليه، هذا السائق الشاب الذي ردّد دعاء السفر وطلب من التلاميذ أن يقرؤوه في بداية الرحلة أعجب أحمد كثيراً فهو يشبه والده إلى حد ما ومهنته تشبه مهنة أبيه· ? إنها مهنة شريفة يا بني، والعمل ليس عيباً، أنا أعمل عند الدولة في شركة حكومية ولا داعي للخجل، وربَّت على كتف أحمد الصغيرة· كان ذلك منذ ثلاث أو أربع سنوات حين وقف أحمد باكياً أمام أبيه شاكياً له من أن أحد زملائه في المدرسة انتقد عمل أبيه ونعته بابن (السّواق) فكان ردُّ أبيه هذا الذي لا يمكن أن ينساه·
فالعمل مقدّس في حياة الشعوب، والإسلام أقرَّ العمل وقدّسه وحثَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم· كل ذلك درسه أحمد في المدرسة وتعلمه من ?بيه فهو يحترم كل عامل مخلص يعمل بشرف وأمانة وإخلاص لكي يعيل نفسه وأسرته كما يفعل أبوه وخاله سالم الذي يعمل صياداً للسمك منذ زمن بعيد، خاله الذي حدّثه عن ?بيه بفخر واعتزاز:
? جدّك يا أحمد، كان صياداً ماهراً، وغطاساً بارعاً، يجمع اللؤلؤ والمرجان من أعماق الخليج، كان يغطس في الماء لزمن طويل حتى أن رفاقه يحسدونه على نفسه الطويل تحت الماء· كان جدك يا أحمد رجلا ولا كل الرجال، لا يعتمد إلا على نفسه ولا يتواكل على أحد لذلك يجب أن تعتمد على نفسك يا احمد لكي تصبح رجلا مثل جدك ومثل أبيك.
انفرجت أسارير احمد حين التقت عيناه بعين السائق في مرآة السيارة فابتسما معا. بدأت رائحة البحر تملأ المكان والسيارة تقترب رويدا رويدا من شاطئ البحر. وطغى اللون الأزرق على المكان والتحم مع السماء. ـ إنه البحر! صاح أحد التلاميذ، وردد آخر.
ـ سبحان الخالق العظيم!!?.
تتالت صيحات التلاميذ وآهاتهم:
ـ يا الله، ما أكبر البحر!!.
ـ انظروا، انظروا..!
ـ اسمعوا هديره يا أولاد.
وتعالى ضجيجهم داخل السيارة واشرأبت أعناقهم وتلفتت رؤوسهم هناك وهناك، في حين بدأت السيارة تخفف من سرعتها لتقف في مكان خصص لوقوف السيارات.
نزل التلاميذ على شاطئ البحر برفقة أستاذهم مشرف الرحلة الذي حذرهم من الاقتراب الشديد من الصخور المدببة، واللعب فقط على الشاطئ الرملي، وطلب منهم عدم السباحة لأن هذا الوقت من العام يكون الجو باردا بعض الشيء وحتى لا يصابوا بالبرد والزكام فيما بعد .. وأضاف قائلا:
ـ رحلتنا يا أبنائي رحلة اطلاعية علمية سنتعرف من خلالها على البحر هذا السر الإلهي العظيم، الذي لم يستطع الإنسان الى هذه الأيام أن يكشف أسراره كلها. هل يذكر أحدكم آية كريمة ورد فيها ذكر البحر؟.
? نعم يا أستاذ، أجاب أحمد·
? تفضّل·
? أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}·
? أحسنت يا أحمد، ماذا نستفيد من البحر يا خالد·
? نستفيد الكثير، فمنه يُستخرج الملح، والسمك بأنواعه المختلفة ومذاقه اللذيذ·
? وماذا أيضاً يا حامد؟
? نستخرج منه الحلي يا أستاذ، اللؤلؤ والمرجان· كما أن السفن تسير عليه فتحمل الناس وحاجاتهم إلى أماكن مختلفة· ? أحسنتم يا أولادي بارك الله فيكم· هل هناك فوائد أخرى للبحر؟· يصمت قليلاً·· ها·· لا أحد إذا أضيفوا إلى معلوماتكم أننا نشرب من البحر·
بدت الدهشة على وجوه التلاميذ وتلفتوا الى بعضهم مستغربين، وقال بعضهم:
? كيف ذلك يا أستاذ؟! البحر مالح والماء الذي نشربه عذب!!·
? أحسنتم يا أبنائي، ماء البحر مالح ولكننا بدأنا نشرب منه منذ فترة طويلة، فهناك معامل ضخمة تقوم بتحلية مياه البحر وتعدها لنا مياهاً نقية صالحة للشرب وتكثر معامل تحلية الماء في دول مجلس التعاون الخليجي لندرة المياه على أراضيها· أضاف أحد التلاميذ بصوت عال:
? معامل تحلية الماء تساعد على توليد الطاقة الكهربائية أيضاً·
? نعم يا أحمد· ردَّ الأستاذ، فالعلم يتطور كل يوم ويقدم لنا فوائد كثيرة واختراعات عجيبة ومفيدة· فمثلاً هناك الغواصات العملاقة·· قاطعه خليفة:
? غوّاصات!! ما شكلها يا أستاذ؟
? الغواصة سفينة كبيرة لكنها مغطاة لكي لا تدخل المياه إليها، وتستطيع أن تبقى تحت الماء أشهرا عديدة وتستخدمها الدول لأغراض عسكرية أو علمية· عسكريةٍ أثناء الحروب وتقوم الغواصة بتدمير السفن الطافية على وجه الماء دون أن يراها أحد كما أنها تستطيع أن تطلق، الصواريخ وهي تحت الماء أما الأغراض العلمية يا أبنائي، فالغواصة تقوم بالكشف عن أعماق البحار وتقديم معلومات جديدة عن عالم البحر العجيب الكبير·
? صحيحٌ يا أستاذي ان الكرة الأرضية مليئة بالبحار؟·
? نعم يا سعد فالبحار تشغل ثلثي مساحة الكرة الأرضية والدول المطلة على البحر لها ساحل إقليمي يعتبر من ضمن حدودها والاعتداء عليه يعني الاعتداء على سيادة الدولة·
? أستاذ، أستاذ؟··
? نعم يا أحمد·
? ذكرت في معرض حديثك دول مجلس التعاون الخليجي، فهل هي نفسها دول الخليج العربي: المملكة العربية السعودية، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان؟
? نعم يا أحمد، أحسنت·
? ولكن ما معنى مجلس التعاون يا أستاذ؟
? مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عددتها قبل قليل يا أحمد تأسس عام/ 1401/ للهجرة ومعناه أننا نحن أبناء الخليج العربي نشكّل جزءاً من قومية تدين بدين واحد ولنا تراث حضاري مشترك وقيم وعادات مشتركة، ونظراً لموقعنا الجغرافي والسياسي وثروتنا النفطية التي تجعلنا عرضة للأطماع السياسية والدولية فإن هذا يدفعنا جميعاً للاتجاه نحو التعاون المشترك، وإيجاد تعاون فعال بين الدول لمواجهة التحديات وهذا ما حدث أثناء حرب الخليج عندما اجتاح صدام حسين دولة الكويت فكانت عاصفة الصحراء التي أخرجت صدام وجنده من الكويت ودمرتهم تدميراً شاملاً، وطاردت فلولهم داخل حدود بلادهم· من يتذكر في أي عام كانت عاصفة الصحراء وتحرير الكويت؟ ? في عام 1991? يا أستاذ، صاح سعد·
? أحسنت يا سعد مثل هذا التاريخ لا يمكن أن ينسى والآن اذهبوا يا أولادي في نزهة الى الشاطئ ولكن لا تبتعدوا كثيراً· تفرّق الأولاد فرحين، وبدأ بعضهم يجري والآخر يطارده، والبعض الآخر يلعب بالرمل، ويصنع بيوتاً صغيرة لا يلبث موج البحر أن يهدمها فيلمع الزبد تحت ضوء الشمس تاركاً في النفس بهجة وسعادة كبيرتين· أحمد ومتعب يسيران صامتين على شاطئ البحر· يركل متعب الرمل بقدمه فرحاً:
? انظر البحر يا أحمد، سبحان الله، ما أكبره!!
وأشار بيده نحو الأفق البعيد·
تابع أحمد سيره دون أن ينبس ببنت شفة حتى وصل الى صخرة صغيرة فجلس عليها· صاح متعب: ? انظر النوارس يا أحمد، ما أجملها!·
رفع أحمد بصره، كانت النوارس فاردة جناحيها للشمس والهواء، تتعالى أصواتها وتنخفض مشكلة مع هدير الموج جوقة موسيقية عجيبة· ابتسم أحمد وأشار إلى متعب:
? تعالَ، اجلس·
? لا لا سأبقى واقفاً، لقد مللت من الجلوس أثناء شرح الأستاذ، قال متأففاً: حتى في الرحلة يعطينا درسا!? جئنا نتفسح يا أخي ونلعب لا لنأخذ درساً في العلوم والجغرافيا والسياسة وو···
ضحك أحمد:
? ما قاله الأستاذ يا متعب استفدنا منه جميعاً وقد ذكرنا بأشياء غابت عن ذهننا فجزاه الله كل خير· ? صحيح، لكن مثل هذه الفائدة نأخذها بالمدرسة وليس على شاطئ البحر· ? هل نسيت أننا في رحلة اطلاعية علمية، وهل تعرف أنه بعد قليل سيأخذوننا إلى معمل لتحلية المياه؟ قال متعب متضجراً:
? أف·· لا يهمّ، لا يهم انهض وسابقني في الجري لن تستطيع أن تغلبني· هز أحمد رأسه:
? صدقت لن أغلبك فأنت رياضي ماهر وتحب دروس الرياضة دائماً، أما أنا فلي اهتمامات أخرى· ابتسم متعب وهز رأسه:
? اهتمامات·· ها، انظر إلى سرعتي العجيبة يا·· وانطلق كالسهم باتجاه زملائه الآخرين· ? ولد شقي، لكنه طيب القلب·
ابتسم أحمد، ومدَّ بصره إلى الأفق البعيد·
كانت النوارس ما تزال تحلّق صاعدة هابطة، تطير وتحط على الشط زرافات ووحدانا· تذكر أحمد ما شاهده في التلفزيون بعد تحرير الكويت من آثار الدمار والخراب الذي خلفه الاجتياح، وتذكر ذلك النورس الحزين الذي بلله النفط حين أقدم صدام على إسالة النفط في مياه البحر فلوث الشواطئ وأفسد البيئة·
كان النورس الحزين لا يقوى على الطيران وقد جلل السواد لونه الأبيض الجميل وصرخ أحمد:
? لماذا لا تصبح كل شواطئنا نظيفة وجميلة؟
لماذا لا تصبح كل النوارس سعيدة وآمنة؟
وبيده الصغيرة نثر حفنة من الرمل في وجه الشمس التي بدت كتل من البرتقال يغوص رويداً رويداً في البحر العميق·

محمّد حدّاد


mail@hddad.4t.com

[ الرئيسية | مرحى لهم | جسد ومرايا | فراتيات | كتابات نقدية | مشاركات الاصدقاء | جديد فرات الشعر | متفرقات ]

جميع حقوق طبع ونشر فرات الشعر محفوظة لـ محمد حداد - 2001 - 1421




كتابات نقدية
النورس الحزين
قصة للاطفال