الصفحة الرئيسية



دفء البوح··
مشاعر الأنثى أم رومانسية الطرح؟!

الكتاب: دفء البوح
الكاتبة: انتصار منصور العقيل
الناشر: دار انتصار للنشر
الطبعة الثانية 1417هـ/ 1996?


"دفء البوح··
يا ملهمي/ علمني
كيف ازداد شوقاً إليك!!
علمني
كيف تستعر فورة الأماني
فيك··/ علمني··
كيف تنبثق أبجديات اللغات
كلها··/ من حروف اسمك
علمني··/ كيف تولد من العدم
ألف فكرة وفكرة فوق
صفحاتي!!"
(دفء البوح)·· الكتاب السادس للكاتبة الرقيقة انتصار منصور العقيل فبعد كتبها (فيروس الحب، موانئ بلا أرصفة، أنا والحمد لله، من تحت الرماد، هجرة القوارير) تطالعنا الأديبة انتصار العقيل بكتابها السادس (دفء البوح) وقد جاء في مائة وخمس وتسعين صفحة من القطع المتوسط، وبغلاف أنيق ورقيق كرقة كتابات صاحبته،وزينت غلافه الأخير بمقطع من مقدمة الكتاب التي كتبها الشاعر المصري فاروق شوشة، ومما قاله عنها:
"لم تعد انتصار العقيل في حاجة الى تقديم ولا الى ضوء كاشف يتعقب في كتاباتها مساحات البوح والإفضاء، لقد أصبحت كاتبة لها لغتها ولها أسلوبها ولها جمهورها من القراء والقارئات، هذا الجمهور ليس مجموع قراء بالمصادفة لكنه جمهور واع مترابط يقصدها في حاجاته الأساسية وهمه اليومي والحياتي، ونجاواه الروحية وصراعاته على مستوى النفس والعقل موقنا انه سيجد لديها دوما شجاعة التناول ومرافئ الوصول والصدر الرحب القادر على أن يتسع ويتحمل وينتظرون كلل أو ملل دون يأس أو انكسار··"
أجل إنها انتصار الأديبة العاشقة للكتابة ولكل شيء جميل، العاشقة للهم الإنساني اليومي برومانسيتها المعهودة وبواقعيتها الخجولة وبرمزيتها الشفافة تحاول ان تجدّف بقلمها في بحر هاجت أمواجه وما عادت مرافئ الحلم قريبة، وما عاد شط الأمان دافئا دفء شمس الصباح المتثاقلة بخطوها فوق رماله الذهبية الحالمة:
"أفسدت حياتي··
ما عدت قادرة على الخروج منك··
وما عدت قادرة على الرجوع إليك!!
تحاول انتصار العقيل في دفء بوحها أن تبعث فينا الدفء وتعيد لقلوبنا انتظام إيقاعه الذي أفقدته الحياة المدنية وتعقيدات العصر الحديث كثيرا من هدوئه وصدقه ورتابته المعهودة·
تطشّ انتصار الدفء والحنان في زمن تنافر فيه كل شيء لذا لا غرابة أن يكون العشق فيه غريبا وحيدا هائما في طرقات الحياة ومتاهاتها الشائكة، يبحث عن يد دافئة تأخذ بيده وتسير معه في زمن فُقد فيه الدفء فأصاب الصقيع القلوب وجمَّد البرد شفاهاً تكسَّر بين شطيها ابتسام حزين:

"وكأنها امرأة ليست كباقي البشر
رغم خنجر الفجيعة المغروس  في سويداء فؤادها
ينكأ كبرياءها·· يدعو له مع كل خفقة
مع كل رجفة·· مع كل نبضة·
الله معك·· الله معك"!!
حسنا فعلت انتصار بإهداء كتابها الجميل بإهداء أجمل، إهداء رقيق رقة مشاعرها، صادق صدق كتاباتها، منعش كنسيم الصباح العليل، قالت انتصار:
"الى العشق·· في زمن التنافر"!
وقال قارئ انتصار حين تدفأ بالبوح هامساً: رشة عطر هي ودفء البوح حين يكون الحنين كوخز الإبر:

"عيناك بحري
شفتاك شاطئي
حنان صوتك موانئ عمري
ومأواك القلب يا حبيبي
ضمّ (دفء البوح) وجدانيات الكاتبة وبوحها الشاعري وتأملاتها الرومانسية، بلا تصنع أو تزييف بأسلوب سهل وبسيط وكلمات رقيقة وجمل آسرة فكانت بأسلوبها دافئة وببوحها شاعرة فنسجت لنا غلالات عشقها وتأملها شباكا أسرتنا فيها ببراءة أفكارها وروحانية صفائها وهموم الأرق والقلق وانكسار الوجع في الذاكرة حين تضيع الأنثى الطفل في موانئ بلا أرصفة: "ذروة تعاستنا هي ذروة سعادة عشناها··
لكننا لم نمتلكها
سعادة تسربت لنا في غفلة من الزمن·· سعادة سنذكرها ? والله ? دائماً، دائماً فتبكينا"·
في (دفء البوح) ينطفىء القلب ويتوجع الجسد في مجمرة الطيب حين يبحث عن الحب ولا شيء سوى الحب، فلا يجد سوى شيخوخة مبكرة وذاكرة مثقوبة تتقلب على أتون الأرق والقلق!!
لكنها الدعوة للخروج من الذات الى الكل بحثاً عن علاج للروح بعيدا عن أوجاع الجسد:

"ما أجمل أن نخرج من ضيق الذات·
الى اتساع الكل 
ما أجمل أن نحول الحب الواحد
الى حب شامل
حب للعالم أجمع"
انتصار العقيل في مقالاتها الرومانسية الحالمة وفلسفتها "العشقية" ترش عطر أنفاسها الحالمة هنا وهناك في محاولة جديدة مبتكرة وطرح لا يخلو من الجدة في الصور الرشيقة المتراقصة على أنغام العشاق وتهويماتهم الحالمة: "لا تحبني بقلبك··

لا  تحبني بعقلك··
أحبني يا سيدي أحبني
بضميرك!!"
انتصار الأديبة/الشاعرة التي امتلكت أدواتها النثرية الجديدة في "رشات عطرها" كانت مجددة في المعاني لأفكار وفلسفة عشقية تنوء بها ذاكرة متعبة في محاولة للهروب من اليومي والعبث الحزني تحلق بروعة الصمت الناطق بألف كلمة وكلمة لتنبثق أبجدية لغة جديدة تصنعها انتصار بصورة جديدة مختزلة مكثفة فترشها هنا وهناك بلا تردد أو ندم:

"يامن علمْتني أبجدية الحروف
واختلفنا على الألف والباء
فافتقرنا··
أقول لك: (كيف إنت)"?!
"رشة عطر" التي ختمت بها انتصار العقيل معظم مقالاتها الرومانسية الدافئة كانت في مجمل بوحها أشبه بقصائد نثرية دخلت الكاتبة من خلالها ميدان قصيدة النثر راغبة أو مقحمة نفسها لا فرق مادام الطرح الجديد وابتكار المعاني همها، واختزال فلسفة جديدة في العشق والبوح الإنساني البريء هدفها:
"رغم وجعي منك وفيك··
سأظل انتمي إليك!!"
"رشة عطر" يمكننا اقتطاعها كقصائد نثرية تنبئ عن شاعرية أنثى لا هم لها سوى البوح بصدق الذات للآخر الذي لا يمكن أن يبوح بذلك ويصيغ هذه المعاني الجميلة ليصبها في قالب إنساني جميل، "دفء البوح" مرآة صادقة للنفس، ورداء مزركش جميل يكون على قياس المتلقي في تقلب حالاته الوجدانية البوحية بعيدا عن زيف المشاعر والتنكر لها على أنها وهمٌ وما هي إلا واقع جميل يراوده بين الحين والحين:

"ويهمي حبك في قلبي
كما يهمي·· فوق الرمضاء الغيث والمطر
وتشرق فرحة أمل في ملامحي
ويهدأ في نفسي ذاك الأنين وذاك الوجع
وأعلن أن أجمل ما فيّ هو أنت
ياسيّد هذا العمر"!!·

محمّد حدّاد


mail@hddad.4t.com

[ الرئيسية | مرحى لهم | جسد ومرايا | فراتيات | كتابات نقدية | مشاركات الاصدقاء | جديد فرات الشعر | متفرقات ]

جميع حقوق طبع ونشر فرات الشعر محفوظة لـ محمد حداد - 2001 - 1421




كتابات نقدية
النورس الحزين
قصة للاطفال