الصفحة الرئيسية



مرة ثانية (في زورقي)
بين رياح عزيز وشراع إدريس!?

وقع بين يدي مؤخرا ديوان شعر (في زورقي) للأستاذ الشاعر عبدالله بن ادريس ? الطبعة الثانية 1413هـ في 350 صفحة من الحجم الكبير وطبعته الأولى 1404هـ، ذو طبعة أنيقة وغلاف جميل يلفت الناظرين، وبعد تصفحي له وقفت طويلا عند قصيده (في زورقي) والتي أسمى الشاعر مجموعته الشعرية باسمها وهي تقع في القسم الرابع ? التأمليات ? ? 229·
أما لماذا كانت وقفتي الطويلة عزيزي القارئ؟! فلذلك قصة طويلة أيضا!?
بدأت القصة عندما نشر الشاعر ابن ادريس قصيدته هذه ? موضوع بحثنا ? على صفحات (أهلا وسهلا) التي تصدرها كل ثلاثة اشهر الخطوط الجوية السعودية وتحديدا في الربع الثاني من العام 1401هـ، وفي رحلة جوية بين المدينة المنورة وجدة كان الأستاذ الأديب عزيز ضياء أحد الركاب الذين يتصفحون هذه المجلة ولم تلفت انتباهه (في زورقي) إلا عندما فرغ لقراءتها على الأرض ? في منزله ? حيث حظيت بالنصيب الأوفى من اهتمامه، بعدها كتب عنها دراسة أدبية (نقدية) بعنوان (زورق ابن ادريس) نشرها في مجلة (اليمامة) العدد 648 الصادر في 20/6/1401هـ علما أن هذه القصيدة (في زورقي) منشورة في كتاب ابن ادريس (شعراء نجد المعاصرون) مع مجموعة أخرى من قصائده أوردها مع الترجمة الموجزة لحياته في آخر الكتاب الذي صدر عام 1380هـ·
وقد قام الأستاذ الشاعر عبدالله بن ادريس وعلى صفحات اليمامة أيضا بالرد على دراسة عزيز ضياء دراسة نقدية (واعية) مؤيدة حينا ورافضة أحيانا بعنوان (عزيز ضياء·· وأنا في الزورق) انظر اليمامة العدد 6521 في 4/7/1401هـ·
وبين تلك الدراستين وعودتي المحمومة إليهما كانت وقفتي مع الزورق بين رياح عزيز وشراع ادريس! وقفة تأملية (رؤيوية) جديدة آمل أن أوفق فيها واعطي القصيدة حقها الذي ربما غاب عن أذهان الكثيرين·
تقع القصيدة كما أسلفنا في الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائتين من ديوان الشاعر ابن ادريس في قسم التأمليات والذي يضم إحدى عشرة قصيدة من بينها (في زورقي)·
وقبل الدخول في صلب الموضوع لابد من التذكير بان هذه القصيدة نشرت أيضا في مجلة اليمامة العد 67 الصادر في 10/7/1376هـ وإذا علمت عزيزي القارئ بان هذه القصيدة قد نظمها الشاعر سنة التخرج في كلية الشريعة بالرياض عام 1376هـ لعرفنا أن هذه القصيدة ? زمنيا ? تنتمي الى مرحلة الشبابـ الشاعر من مواليد عام 1349هـ أي نظمها في السن السابعة والعشرين تقريبا وبالعودة الى القصيدة وبتسليط الضوء عليها وحصرها في دائرة التذوق الأدبي ? النقدي يمكن أن نستشف مايلي:
(في زورقي) قصيدة من مجزوء الكامل جاءت معظم أبياتها مدورة مذبح الشاعر تفاعيلها الأربعة في بيت واحد مما أعطاها دفقا عميقا في الجملة الشعرية أضفت عليها قوافيه المقيدة بعدا نفسيا وترجيعا ذهنيا عند المتلقي سيما وانها جاءت في سبعة مقاطع شعرية يختلف كل واحد منها عن الآخر في العرض التأملي ? الشعري العميق ويحم ما يحمل من الرؤى التي أرادها الشاعر وإن كانت جميعها تندرج في وحدة موضوعية واحدة وليست عضوية وهذه أولى نقاط اختلافي مع الأستاذ (العزيز) ضياء حيث ربط بسذاجة أدبية الخطاب الذي وجهه الشاعر ادريس في بداية قصيدته الى الله عز وجل ربطه بالبيت:
? أفما اطلعت فخلتني كالطير في كف الصغير·
راجع: (زورق ابن ادريس ? اليمامة 648 في 2/6/1401هـ عزيز ضياء) وبعد: عزيزي القارئ تستطيع تلمس نقاط الاختلاف بقراءتك لهذا المقال جيدا وبالرجوع للمقال السابق ذكره· [ يبدأ الشاعر بن ادريس قصيدته الرمزية التأملية بنداء واسع واستعطاف مشبوب بالرجاء والأمل يتوجه به الى الله عز وجل أن يبلغ بالسلامة زورق الحلم الجميل:
ـ رباه بلغ بالسلامة زورق الحلم الجميل··
حيث يجعل من هذا النداء والاستعطاف لازمة يكررها في نهاية كل مقطع مما يضفي على القصيدة ايقاعا إضافيا زاد من جمالها· هذا الزورق (زورق الحلم الجميل) هو حلم الشاعر الذي يتألف من طابقين: الطابق الأول يحمل واقع الشاعر وهمومه، والطابق الثاني يحمل واقع أمته، كيف؟!
انطلاقا من الذات الشاعرة(الأنا) الى (الهو) الجماعة تتسع دائرة الذات الشاعرة (الأنا) للهروب الى (الجمع) بدائرة أكبر للبحث عن الحرية، الأمل، النجاح للزورق الذي يمثل الحياة بمعناها الواسع·
ورغم الاستعارات والصور البيانية التي جاءت عفو الخاطر وأثقلت المقطع الأول (أعاصير الشقاء تضح ? الموج المجنح ? تلفت القلب)·· وجميعها استعارات مكنية، لم يفقد الشاعر رغم (السوداوية) الشبابية ? واذكر الشاعر نظمها في سن الشباب ? وغلالة الحزن التي ألبسها لمعانيه في هذا المقطع:
غروب الحياة وخريفها ? الاصيل·
واقع الشاعر (شراعي) يصطدم ? بواقع الحياة (الموج المنح)·
العودة للوراء في محاولة للنجاة (تلفت القلب) ? المفاجأة بالماضي المثقل بالسواد والحزن (فهاله الأمس الثقيل)·
لم يفقد الشاعر رغم كل هذا الأمل في الدعوة والانطلاق نحو المستقبل حيث يدعو الشاعر الى الانطلاق والحرية النفسية (فإلى الأمان) فمستقبل الحياة مشرق ولابد من (تنسم الريح العليل)·
[ المقطع الثاني يحمل ما يحمل المقطع الأول من المعاني الكبيرة بطرح جديد وغنائية عجيبة ووشاها بجمل شعرية طويلة، فحلم الشاعر الجميل الممثل بالزورق يصطدم بالحياة ومتناقضاتها فتعيده الى واقعه:
ـ لعب الخضم بزورقي فطغى على مجرى الشعور
الحياة ومتناقضاتها حلم الشاعر (?) الواقع!
هذا الاصطدام الذي يعيد الشاعر الى الواقع يبقيه في تشبيه تمثيلي رائع (كالطير في كف الصغير) خائفا وجلا من مصير مجهول، فالطفل لا يعي ولا يدرك قيمة الأشياء قد يميت حبا العصفور الصغير بين يديه كما انه يحطم اللعبة التي يحبها دون وعي وإدراك، كذلك مصير الشاعر (الفرد ? الجمع) في دوامة حياة مليئة بالمتناقضات· لكن الشاعر لا يفقد الأمل والانطلاق فهو (مازلت احلم بالعبور) فالعبور الى الأمان خطوة الشهم النبيل، وهنا (تقريرية) واضحة ?(عفوية ساذجة) وهذه نقطة وفاق مع الأستاذ عزيز ضياء· فقد جاءت الجملة هنا نثرية رغم وزنها العروضي ابعد ما تكون عن شاعرية ابن ادريس ساقته القافية والضرورة الشعرية لاستكمال المقطع ليصبح خمسة أبيات شعرية يساوي بها المقاطع الأخرى قبل ختمه باللازمة· وكان الأجدر بأستاذنا الفاضل الشاعر عبدالله بن ادريس ان يعيد النظر في هذا البيت ويحمله معنى أعمق وأجمل من هذه السطحية الشعرية وهو اعلم مني بالشعر ونقده ويسرني أن اذكره برأيه في الشعر والشعراء وذلك بما كتبه في (أغاني إنسان) للشاعر سعد دعبيس:
(وإذا لم يكن الشعر تعبيرا انفعاليا متفاعلا مع أحداث الزمن ومسايرا للحياة الإنسانية ? وإذا لم يكن الشعر صورا تغني بشخوصها في التعبير عن المعاني تغني عن الأساليب التقريرية والخطابية وتفعم بالمشاعر والأحاسيس ذهنية القارئ المتذوق ? وإذا لم يكن الشاعر صورة لمجتمعه مرآة لشعبه تنعكس على شعره حياة أمته وملامح مجتمعه اذا لم يكن الشعر والشاعر على هذا المستوى فانهما ? الشعر والشاعر ? لا يستحقان البقاء والخلود ولا الحفول بهما كذات مفكرة وكفكرة منتجة)· مجلة المعرفة الشهرية ? وزارة المعارف ? 1382هـ/ أعاد طبعها مع مجموعة من الدراسات الشعرية الأخرى في كتاب (كلام في أحلى الكلام) عبدالله بن ادريس طبعة أولى 1410هـ·
[ في المقطع الثالث تزول سوداوية الشاعر حيث تتجه نحو (البياض) الوضوح وتخف رمزية معانيها وصورها الشعرية والبيانية وتلاطم إيقاعها الداخلي فيهدأ موجها كهدوء نظرته للمستقبل البعيد حيث (شق المصاعب بالكفاح) والتوقف عن الحلم والعودة بسرعة الى الواقع: وهنا عطفت بزورقي فجرى على كف الرياح·
لأن الإنسان السوي يحلم دائما بالتغيير ويكره العزيز الذي وهذه بدهية نوافق عزيز ضياء عليها أيضا ولا نوافقه على تحليله (نقده) لهذا المقطع فيما قاله·
راجع: عزيز ضياء (زورق ابن ادريس) اليمامة 648 في 20/6/1401هـ·
[ وفي المقطع الرابع ذاتية بحتة وغنائية محببة نطل من خلالها على صفات الشاعر حيث مكارم الأخلاق والخصال الحميدة للشاعر = الإنسان الذي يأبى (التملق والخداع) لأن طبعه النزاهة ومبدأه الصراحة:
ـ هل مبدئي غير الصراحة والنزاهة في الطباع·
أما الغنى فغنى النفس فلا خنوع ولا انصياع وراء المال وتبا لمجد يؤتيه الغنى المشوب بالذل والانكسار وعليه وعلى الدنيا السلام: ـ فعلى الغنى مني السلام وبؤس للمجد الأثيل·
ويختم بـ (اللازمة) حيث ترجيع النداء المشبع بالحنين والتوسل والدعاء الى الله سبحانه: ـ رباه بلغ بالسلامة زورق الحلم الجميل··
[ المقطع الخامس يبدؤه الشاعر بمناجاة الخالق المالك الأرض والسماء والذي لا يقصد سواه في دفع المصاعب والمظالم ونوائب الدهر باستفهام طلبي يدرك جوابه:
ـ ملك السماء والأرض هل من قادر يرجو العباد؟
ـ إلا في دفع المكاره والظلامات الشداد·
ينتقل بعدها وبخطابية عالية مقررا ومستدركا ليخبرنا بأن الظالمين طغوا واستكبروا في صورة مجازية (البغاث استنسرت) منقولة عن المثل الجاهلي ? استخدم الموروث الشعبي/ تأصيل التراث ? (إن البغاث بأرضنا تستنسر) حيث صغار الطير يطول ريشها وتقوى قوادمها وتصبح قادرة على الطيران بل ?(تستنسر) في بعض الأحيان·
ونعيم الله وعطاؤه الكثير قد يرفع الحقير والذليل في عيون الناس فيعلو على عالم عظيم ارتدى لبوس الفقر والحرمان: ـ ونعيمك المدار قد يعلي الحقير على الجليل·
[ المقطع السادس يسجل لنا عودة الشاعر الى نفسه الذات = الأنا وايداعها الصفات الحسنة فحفظ الكرامة أولا واخيرا: ـ أبدا أصون كرامتي رغم الصعاب العاتيات·
رغم كل الصعاب الجارفة متناقضاتها الحياة ومصاعبها وماديتها المحمومة ? الوصولية ? الذل، الخنوع، الظلم والمظاهر الخلابة (كلها صفات مرت في المقاطع السابقة) رغم كل هذا الشاعر لا يحيد عن المبدأ الذي رسمه فهو الصواب والحق لذلك كان الأجدر بالثبات: ـ لن أنثني عن مبدئي فالحق اجدر بالثبات والتمسك به بصلابة رغم ما كان وما سيكون هذا المبدأ الذي وصفه لنا في المقطع الرابع بـ : ـ هل مبدئي غير الصراحة والنزاهة في الطباع؟!
أما لماذا الثبات فلأن شدائد الأيام تصنع المواقف في الرجال وما الحياة سوى مواقف عز ورجولة، لذلك كانت صيغة الأمر التي خاطب بها زورقه ? حلمه ودعاه للعبور فوق هذا الواقع المرير (البحر المهيل) صيغة لا تقبل التردد: ـ فلتجر بي يا زورقي كي نعبر البحر المهيل·
[ ويمثل المقطع السابع والأخير ذروة القصيدة حيث أتى بقوة ومتانة المقطع الأول المملوء شاعرية وغنائية عذبة ورمزية شفافة وصور مشوبة بالانفعال الصادق العميق طافحة بروح التفاؤل والأمل الذي يحيي القلوب فكان تجاوز ارض الواقع المرير حيث خفق قلب الشاعر فرحا وعلا فكره الشرود بما سيفعله بعد هذه القفزة ? التجاوز: ـ ومضى بي الإعصار يقتحم الحواجز والسدود·
ـ والقلب يخفق لاغيا والفكر يعلوه الشرود
فما حولنا ظلام شديد (سوداوية الواقع) واستفهام الشاعر في البحث عن نور يضيء هذا السواد/ الواقع = الحياة: ـ ومحيطنا ليل فهل نور يضيء لنا الوجود·
ورغم السأم والملل الذي أصاب الشاعر ورغم (الليل الطويل) الذي أعاقه عن الوصول الى هدفه كان هناك الأمل الكبير ? فتنفس الإصباح عن نور أضاء لي السبيل·
صورة بيانية رائعة (استعارة مكنية) وبلاغة رائعة العودة الى المنبع الثر الأصيل (التناص) مع القرآن الكريم في الآية الكريمة {والصبح اذا تنفس··}··
أجل: انه الصبح المنشود، النور المضيء الذي أضاء المكان وبشر بحياة جديدة فكان (البعث من بين الرماد) حيث فرد جناحيه لشمس الصباح ونورها الذي لن يغيب··
تلكم هي روح الشاعر المتفائلة وشاعريته المتفردة والتي تجلت في أسمى معانيها وصورها حيث صبها في قالب متين أحاطه بدعامتين قويتين تمثلتا في المقطعين الأول والأخير والذين مثلا القصيدة لوحدهما ولو شاء الشاعر الإيجاز والتكثيف والبحث عن الرؤيا الشاعرة في القصيدة الحديثة لكانا (المقطعين الأول والثاني) قصيدتين نابضتين بالحياة· المفعمتين بالجديد المليئتين بالأخيلة والمتجددتين بالنفس العميق، الرؤية البعيدة والرمزية الشفافة·
وبعد:
ـ يموت رديء الشعر من قبل أهله
وجيده يبقى وإن مات قائله
فكم من شاعر اشتهر بالبيت والبيتين وبالقصيدة والقصيدتين··
وكم من شاعر لم يعرف وان كتب القصائد الطوال والدواوين الكثيرة·· وما عليك عزيزي القارئ الا ان تتذوق العمل الشعري لوحدك دون ان تجعل للناقد سلطانا عليك آخذا بعين الاعتبار ان كل قارئ عصري هو ناقد في الوقت نفسه وإن لم يمتلك الأداة التعبيرية للكتابة والتعبير عن النص المنقود سلبا وإيجابا، كشفا وتحليلا ومن هنا يمكن ان تشاركنا في تذوق قصيدة ابن ادريس الرائعة بالرجوع إليها كاملة في ديوانه المسمى على اسمها (في زورقي)·
كما انني سأسوق لك بعض الشهادات النقدية حول الشعر للشاعر نفسه (ابن ادريس) كي تساعدك على تذوق النص الأدبي وتطابق تلك الشهادات على عمله بالذات وهذه خطوة نقدية جديدة ? حيث سنحيل كلام الشاعر النثري النقدي على عمله الابداعي الشعري لنخلص معا الى نتيجة واحدة هي قيمة هذا العمل الابداعي ? فنيا ? مجردا من العواطف وخطوة جريئة لتذوق أعمال أدبية أخرى لان "أحلى الكلام البشري واجمله واوقعه في النفس هو الشعر·· ولا شيء من كلام الناس يسمو فوق هامات الشعر او يوازيها" عبدالله بن ادريس من مقدمة كتابه (كلام في أحلى الكلام) دراسات شعرية طبعة اولى 1414هـ ·
يقول الأستاذ عبدالله بن ادريس في >أصداء الرابية< اليمامة العدد 73 في 22/8/1376: (ولكنني في الوقت نفسه أمقت (الذاتية) المحدودة واعتقد ان ميدان الأدب أوسع مجالا من هذا وذاك والشاعر ? بحق ? هو الذي يتجاوب مع الزمن ويواكب حياة وتطور الأمة التي يتنسم هواءها ويستظل سماءها فيسعد لسعادتها ويشقى ويتألم لبؤسها وشقائها<· بهذا الكلام أطلق ابن ادريس سهمين نقديين أحدهما له والآخر عليه:
ما له: نستشفه من القصيدة بشكل عام، نبضها الإنساني، معانيها السامية، وانطلاقتها لمواكبة الحياة فهي اذاً (متجاوبة مع الزمن)· ما عليه: (الذاتية) فدلالات ياء المتكلم وتاء الفاعل المتحركة أثقلت النص بأكمله وان اتجهت في بعض المقاطع من (الخاص) الى (العام) ومن (الأنا) الى (الهو) في محاولة منه الى الانطلاق والتوحد ? التواصل مع المتلقي وصولا الى الهم العام لكنه فشل في المقطع الرابع ووقع في مطب الذاتية المغرقة·
وفي (أغاني إنسان) شعر سعد دعيبس ? سبق ذكره ? يقول ابن ادريس "واذا لم يكن الشعر تعبيرا انفعاليا متفاعلا مع أحداث الزمن ومسايرا للحياة الإنسانية ? واذا لم يكن الشعر صورا تغني بشخوصها في التعبير عن المعاني تغني عن الأساليب التقريرية والخطابية وتفعم بالمشاعر والأحاسيس ذهنية القارئ المتذوق ? واذا لم يكن الشاعر صورة لمجتمعه مرآة لشعبه تنعكس على شعره حياة أمته وملامح مجتمعه إذا لم يكن الشعر والشاعر على هذا المستوى فانهما ? الشعر والشاعر لا يستحقان البقاء والخلود ولا الحفول بهما كذات مفكرة وكفكرة منتجة"·
أجل فالشعر ابعد ما يكون عن (الافتعالية)? ولابد من المتلقي ولك تقدير ذلك عزيزي القارئ·
أما الصور والمعاني فقد أجاد الشاعر إجادة واضحة وقد مر الحديث عن بعضها أثناء تسليطنا الضوء على القصيدة وان كان الشاعر قد وقع في تقريرية وخطابية أشرنا إليها سابقا لكن ما يشفع له ان القصيدة (شبابية) تنتمي بمجملها الى مرحلة شباب الشاعر وبالتالي قلة الخبرة والنضوج الشعري الذي وقع في مطب بعض عيوبه·
وما يسجل له في هذه الفترة (الشبابية) انه كان صورة لمجتمعه ومرآة لشعبه انعكست على شعره بشكل عام (حياة أمته وملامح مجتمعه لذا استحق ? الشعر والشاعر ? الخلود فكان الاحتفاء لهما كذات مفكرة وكفكرة منتجة)·
ومن أقوال ابن ادريس أيضا في معرض رده على عزيز ضياء:
(فالشاعر عندما يتحدث عن تجربة شعورية ذاتية فهو ينساق مع خياله وعواطفه وأحاسيسه ومشاعره وخلجاته النفسية وتأثراته الخارجية اكثر مما ينساق وراء العقل الواعي والمنطق)·
ذلك ان لكل حالة نفسية صورة ربما تكون مستقلة هن الصور الأخرى او متمايزة عنها حسب التداعي الشعوري والدافع النفسي) اليمامة 6521 في 4/7/1401هـ ترى هل وفق شاعرنا في (زورقه) الشعر وهو في مجملة (تجربة شعورية ذاتية) وما انساق كثيرا (وراء العقل الواعي والمنطق حديثا برزت مدارس التحليل النفسي في الأدب وطبقت نظرياتها على الأعمال الإبداعية لأن العمل الابداعي بمجمله (حالة نفسية) وجزء لا يتجزأ من الذات المبدعة لهذا العمل يحيط بها ظروف البيئة المختلفة (الزمكانية) بحلوها ومرها فتنعكس على مرآة الذات المبدعة وفي تدخل العقل الواعي سيفقدها جمالية معينة ويقر بها من المباشرة التي هي العدو الأول للشعر بشكل خاص والفنون الإبداعية الأخرى بشكل عام·
وللعلم عزيزي القارئ ان صاحب العبقريات (عباس ? محمود العقاد) لم يشتهر شاعرا علما ان له خمسة دواوين شعرية لماذا؟ لانه في معظم (انساق وراء العقل الواعي والمنطق) مما أفقد شعره بريقا خاصا كان يمكن أن يجاري به شوقيا وحافظ إبراهيم واذا كان "الحزن والفرح: هما ركيزتا البناء الشعري الملتحم بالحياة والأحياء وأي شعر يخرج عن هاتين الدائرتين فهو ? في رأيي ? خارج عالم الشعر·· بل خارج عالم الشعور"·
عبدالله بن ادريس من مقدمة ديوان (دوائر للحزن والفرح) للشاعر حمد العسعوس·
اعتقد عزيزي القارئ ان (زورق) ابن ادريس تحيط به أمواج الحزن المتلاطمة بدءا من تقطيعه للقصيدة الى مقاطع متساوية الطول والتنويع في قوافيه المقيدة التي أضفت على البيت الشعري سكونا وهدوءا شفافا أضف الى ذلك التكرار في (رباه بلغ بالسلامة زورق الحلم الجميل) والعودة في نهاية كل مقطع الى قافية اللام في لازمة يشوبها الحزن والهدوء بعيدا عن تدخل عقل الشاعر لذلك لم تخرج >في زورقي< عن (عالم الشعر) رغم (سوداويتها) في الصور والتراكيب·
وليسمح لي أستاذي الشاعر عبدالله بن ادريس ان استعير مما كتبه في الجزيرة العدد 2097 ربيع الآخر 1398هـ حول (ترانيم وآله) شعر عثمان بن سيار ? لكي اختم به مقالي وليعذرني ان أسأت (أدبي النقدي) في حضرته فأنا مازلت غضا طريا وتلميذا صغيرا أتلمس طريقي بعيدا عن ضجيج المطابع وصفحات الجرائد وصخب الدوريات ومجالس الأندية:
"إن النقد يجب ان يتجرد عن التأثرات الشخصية في حسنها أو سوئها فليس الفكر مجالا للعلاقات الشخصية بالنسبة لمن يحترم فكره وذوقه ويتحسس تفاعلات ضميره فالناقد الذي ينقد متأثرا بعامل صداقة او علاقة ما مع صاحب الأثر المنقود فيذكر المحاسن دون المساوئ إنما يعطي نصف الحقيقة وكذلك هي الحال بالنسبة للذي ينقد متأثرا بخلافات شخصية بينه وبين صاحب الأثر فيبرز المساوئ ويطمس المحاسن فهو أيضا لا يعطي إلا نصف الحقيقة"·
آمل ألا نكون قد أعطينا نصف الحقيقة، وحول هذا الموضوع (النقد) تستطيع عزيزي القارئ العودة الى مقالنا (النقد بين التقييد والتجديد) مجلة الأدبية/ العدد /30/1416هـ
والله من وراء القصد

محمّد حدّاد


mail@hddad.4t.com

[ الرئيسية | مرحى لهم | جسد ومرايا | فراتيات | كتابات نقدية | مشاركات الاصدقاء | جديد فرات الشعر | متفرقات ]

جميع حقوق طبع ونشر فرات الشعر محفوظة لـ محمد حداد - 2001 - 1421




كتابات نقدية
النورس الحزين
قصة للاطفال