الصفحة الرئيسية



وعي الذات، والهروب إلى الداخل!!
قراءة في المجموعة القصصية
(وتهرأت حبالها)
لعبد الحفيظ الشمري
[ حاول القاص أن يكون واعياً لما يكتب، والكتابة بوعي تعني تدخل ذات الكاتب في كثير من الأحيان في فعل القص
[ استحضار التاريخ وبطولاته يخيف بعض الجبناء الذين يحاولون طمسه وإظهار الباهت منه الذي لا يخدم الحاضر
[ لغة الكاتب القصصية تراوحت بين اللغة العادية السردية/ المبهجة وبين اللغة المعقدة، المنحوتة أحياناً

من الصعب إعطاء مفهوم محدد للقصة القصيرة بكل أبعادها فما زال هذا النوع الأدبي غير واضح المعالم، وتقنيات القص الحديثة آخذة بالتطور اليومي في لغة العصر، ولم يعد "معطف" (غوغول) * يفرّخ القصاصين من تحت إبطيه، فقد تمردوا عليه وتنكروا له، ورموا بكلاسيكيات القصّ وراء ظهورهم، فغدت القصة عالماً من الأصوات والإيقاعات والعبارات ذات الدلالة المركبة، والانزياحات اللغوية، وتداخلت مع غيرها من الفنون الأدبية وتمازجت بأجزاء عديدة منها، وأصبحت وليداً جديداً، ذا أبّهة وجمال غريب لم تألفه عين النقد في كثير من الأحيان!
(وتهرأت حبالها) المجموعة القصصية الثالثة للقاص عبد الحفيظ الشمري ? الصادرة عن النادي الأدبي بحائل ? اتكأت في كثير من قصصها على القص الحديث المعتمد على السرد وتداعيات الصور، والأفكار، محمّلة برموز واسقاطات شتى، جاءت في معظمها غامضة في محاولة لتعمية القارئ في أول قراءة للمجموعة، ولم تكن لقارئ عادي يبحث عن المتعة والإبهار والبطولة الفردية، أو عن مثالية غائبة، ورومانسية حالمة·
حاول القاص في مجموعته أن يكون واعياً لما يكتب، والكتابة بوعي تعني تدخل ذات الكاتب في كثير من الأحيان في فعل القص، فيكون الراوي حاضراً ومتلبساً شخصية ما في شخصيات القصة، فيكثر ضمير المتكلم (السارد) الذي هو ضمير الكاتب بكل الأحوال·· هذا الوعي ألبس قصص عبد الحفيظ الشمري نوعاً من الغموض والإبهام في محاولة منه للهروب بوعي الذات من الداخل إلى الداخل في حلقة يدور بها الحدث غير بعيد عن ذات·· الكاتب/ القارئ، لاستجلاب أداة (الحفر) بحثاً عن شيء ما يريده الكاتب وليس هو عنه وعنّا ببعيد·
(تكنيك) القص جاء مخادعاً في كثير من الأحيان، مما أفقد العبارة القصصية رشاقتها المعهودة وتكثيفها المطلوب، على حين لم تختف الصورة الموحية الدالة على فلسفة أراد الكاتب أن يقولها·

إشارات ورموز
جاءت المجموعة القصصية في مائة وخمس وعشرين صفحة من القطع المتوسط، وضمت بين دفتيها عشرين قصة قصيرة، تراوحت بين اللقطة اليومية العابرة (الفلاش) وبين القصة المركبة ذات الإسقاط التاريخي والإرث الحضاري القديم، الحاملة لرمز، والمحمولة عليه في محاولة للهروب من وطأة واقع مرير··
فمثلاً استحضار التاريخ وبطولاته يخيف بعض الجبناء الذين يحاولون طمسه وإظهار الباهت منه الذي لا يخدم الحاضر من باب ذر الرماد في العيون، هذا ما لمسناه في أمر (المدير) في قصة (هياج تفتك ستره) حين ألغى المسرحية المدرسية التي كان يمثلها الطلاب، ورأى ما رأى من شخصية (عنتر) التي تقمصها طالب الابتدائي بصدق وحماس· (المجموعة ? 5)·
سوداوية تجاه الواقع في قصة (أبو التاسعة) رمز للكاتب المتواري خلف ضمير المتكلم/ الراوي دون أن يكشف عن شخصيته، نقد مرير مبطن، وفضح لواقع حزين يكشف عنه (أبو التاسعة) بشكل غير مباشر، وبمونولوج داخلي عميق، (المجموعة: ? 13)·
(جنين) جاءت رمزاً لولادة جديدة أرادها الكاتب أن تموت فهل هو الواقع الجديد؟ أم التغيير الذي سيكون مع هذا الجنين (الحامل والمحمول) لرمز لم يفصح عنه الكاتب؟ فالتخلص منه والبقاء على ما كان عليه·· وعلى المتلقي يقع عبء تفسير الرمز الذي حمله الجنين، ورقصة الخلاص (مفتاح) أقفل به الكاتب الباب في وجه المتلقي الحائر! (المجموعة ? 19)·
(نوبات الإسفلت) لقطة يومية لطريق سريع في المدينة·· الزحام = المدينة/ المدينة = الزحام، طرفا معادلة لا يمكن انتزاع أحدهما، وبذهاب طرف تنتفي المسميات· (نوبات الإسفلت) لقطة بعين الكاتب/ المصورة التي اعتادت تصوير هذا الطريق الذي يمر عليه كل يوم، كل الناس ولا يرون فيه ما يثير الدهشة!
عين الكاتب/ المصوِّرة، ليست كعيني شرطي المرور أو سائق الإسعاف أو·· أو··
والسؤال الذي تطرحه القصة: أن الفراغ لا يأتي في الفرار، والمدينة تبقى الأم الولود مهما هجرها أبناؤها (المجموعة: ? 27)·
الضياع·· والبحث عن شيء مفقود، أو زمن مفقود لا يمكن أن تقوله وإن قلته وحاولت·· لا يمكن أن تجده!
حلقة مفرغة وهروب إلى الداخل تدور بداخلها وتعود من جديد الى اللاشيء، الى الضياع، إلى زمن مفقود!
هذا ما تطرحه قصة (سؤال تصفه العين··) تخرجه كجوهرة، في لغة راقية ومعان مختزلة تنم عن وعي الكاتب وامتلاكه لأداته في صنع تراكيب عميقة ذات مغزى بعيد (المجموعة: ?35)·
في (فرعون صغير) محاولة لاستنطاق التاريخ تبوء بالفشل، ومحاولة سرقته لا يمكن أن تتم فهو ثابت والزمن متحوّل (المجموعة: ?41)·
أما في (الأعمى) فنتلمس معاناة الفنان الضرير >صقر المعنّى< الذي يبث الفرح والحبور لسامعيه الذين لا يعرفون عن معاناته شيئاً، ولا عن وحدته بعد غياب صديقه/ الدليل لعينيه وقدميه·
(صقر المعنّى) لا يعرف الاستسلام، فلابد من أداء رسالته الفنية التي حملها منذ زمن بعيد، يحاول الخروج من قوقعة وحدته وأحزنه لكنه يسقط بدون صديق/ دليل والسقوط= النهاية! ليصبح ذكرى تُقلق في المكان الذي كان فيه، جسداً وروحاًِ، يعانق أفراح وأحزان المتعبين والساهرين·
ولا يخفى على القارئ الكريم دلالة الاسم الذي رمى إليه الكاتب فـ (صقر) المبصر بقلبه وفنّه أطفئت عيناه، وإبصار الصقر حادّ في العادة، ?(المعنى) فمن معاناته في هذا الظلام الموحش والوحدة القاتلة، نسج الشمري هذا الاسم/ الرمز، ليحمّله مقولة السقوط المرير والقاتل في بعض الأحيان، سيما وأن هذا السقوط لا يصيب إلا الطامحين، الرافعي رؤوسهم للسماء (المجموعة: ?89)· ولدلالة الاسم/ الرمز نسج القاص الشمري أسماء أبطال قصته (غربتاهما·· مسافات وموت)، فكانت أسماء (حرب الحيافاوي، هيا اليافاوي، عبد السلام) دلالات رمزية قصدها الكاتب ولم تأت عفو الخاطر (المجموعة: ?57)·
(وتهرأت حبالها) القصة التي حملت المجموعة اسمها·· تصوير للقطة عابرة·· غريبة·
حين يخيم الضباب على مدينة لم تألفه من قبل، (زائر غريب) لم تعتده المدينة، والناس في غبش أفكارهم نائمون، فأفكارهم (تهرأت حبالها) فلم يفرقوا بين (غبش آسر، ودخان خانق)·
هي حالة من حالات الانفتاح/ الاستكشاف والبحث عن الجديد، حتى وإن كان هذا الجديد إضافة جمالية لا تضير الآخرين! (المجموعة: ?95)· وعلى هذا النحو تأتي الإشارات والرموز والدلالات التي صبها القاص عبد الحفيظ الشمري في مجموعته (وتهرأت حبالها) بحنكة الأديب المتمكن الذي يعرف ما يقول، وكيف يقول بعيداً عن المباشرة والتفصيل والإطناب الذي فيه مقتل العمل الإبداعي· ونترك للقارئ ما تبقى من قصص المجموعة لاستنباط ما يمكن أن يراه مناسباً من حامل للقصة/ الرمز، والمحمول عليها/ الحدث الذي يُساق من خلال سرد وتورية وتركيب ومونولوج داخلي عميق (راجع المجموعة: خرائط، أم الأشجار، إغفاء الممر على آخر صوت، النافورة سرب من بعض رذاذ، سلاح كلعبة لعبة كسلاح، يقين الفاقة فعل استجداء·· إلخ)·
سمات فنية
حاول القاص عبد الحفيظ الشمري في مجموعته (وتهرأت حبالها) التجديد في أدواته الفنية والبعد عن كلاسيكيات القص التي تقيّد حرية الكاتب وتعيق انطلاقه وإيغاله نحو العميق من الإسقاطات والرموز والبحث عن ما ورائية التراكيب والمفردات، وانزياحات لغوية خجولة·· لكن هذه المحاولة لم تكن كاملة عاقها في كثير من الأحيان بطء العبارة، وثقل وقعها وانتقاء مفردات صاخبة للتعبير بشدّة عمّا يريد، على حين كانت عباراته موحية وذات دلالة معبرة في معظم قصصه مما خطَّ له منهجاً يسير عليه في مجموعته هذه ووسمها بخط فلسفي عميق وانتقاء عبارة مناسبة، فكان يكتب بوعي يقصده لذاته للتدليل على ما يريد في محاولته للاعتناء بالمضمون على حساب الشكل الفني الذي لم يعره كثير اهتمام·
أمّا لغة الكاتب القصصية فقد تراوحت بين اللغة العادية/ السردية/ المبهجة (مسطحات خضراء)? وبين اللغة المعقدة، المنحوتة من صخر أحياناً للتعبير عن حجم وهول وصدق ما يريد، فكانت أشبه بسياجات إسمنتية ومتاهات أرادها لتعمية القارئ وليعمل ذهنه فيما يقرؤه، وهذه طريقة جديدة يلجأ إليها كثير من الكُتّاب فلابد من إشراك القارئ وتوظيفه في صنع النصّ، بل وإتعابه من الركض خلفهم، فهم لن يقدموا له وجبة شهية سهلة الهضم على طبق من فضة·· لابد من مساعدتهم في إعداد هذا الطبق حتى وإن لم يكن شهياً، فهو بكل تأكيد مرير في كثير من الأحيان! وفي ذلك (الصدق الأدبي) الذي يرمي إليه الكثير من الأدباء·

هامش:
* نيكولاي غوغول: (1809 ? 1852م) أديب روسي ينتمي لأسرة أوكرانية غنية، من أعماله (المفتش العام) تمثيلية هزت الرأي العام حينذاك ?(أرواح ميتة) ?(المعطف): وهي قصة إنسانية، تفيض واقعية، تروي حكاية موظف بسيط، (أكاكي أكاكيفيتش)? الذي يقتر على نفسه فترة طويلة ليشتري معطفاً يتقي فيه برد روسيا القارس، ويتخلص من معطفه القديم البالي الذي رافقه زمناً طويلاً؛ ولكن اللصوص يقفون بالمرصاد ويسلبونه معطفه فيذهب الى الشرطة شاكياً مستنجداً، ولكن ضباط الشرطة المتعجرفين يردونه خائباً فيعود الى منزله وتصيبه نوبة برد يفارق الحياة على إثرها، إلا أن شبحه يعيش من بعده ويطارد ضباط الشرطة ويخيفهم حتى يعثر أخيراً على المعطف، ولا يشاهد له أثر بعد ذلك!!·
وهنا نذكر بشهادة أديب روسيا الكبير (دوستويفسكي) في (المعطف) حين قال: "إن القصة الروسية خرجت من (معطف) غوغول"·

محمّد حدّاد


mail@hddad.4t.com

[ الرئيسية | مرحى لهم | جسد ومرايا | فراتيات | كتابات نقدية | مشاركات الاصدقاء | جديد فرات الشعر | متفرقات ]

جميع حقوق طبع ونشر فرات الشعر محفوظة لـ محمد حداد - 2001 - 1421




كتابات نقدية
النورس الحزين
قصة للاطفال